يُعد السؤال عن الموعد الذي تُسقط فيه السابقة الجنائية لجرائم المخدرات في المملكة العربية السعودية من أكثر الاستفسارات الحساسة التي تهم من وقعوا في مثل هذه القضايا. فالرغبة في طي صفحة الماضي واستعادة الحقوق والمستقبل المهني هي أملٌ مشروع. في هذا المقال، نوضح بالتفصيل الإطار القانوني الذي يحكم مسألة سقوط السابقة، والظروف التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك، وذلك بالاعتماد على نظام مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية السعودي.
ما هي المخدرات في المفهوم القانوني السعودي؟
تشمل المخدرات في النظام السعودي جميع المواد الطبيعية أو المصنعة التي تُحدث تأثيراً على العقل وتؤدي إلى الإدمان، ويتم حظرها بقانون. وهذا يشمل مواد مثل الحشيش والهيروين والأفيون والمؤثرات العقلية المصنعة (الكبتاغون، الفنتانيل، إلخ). وينظر النظام إلى تعاطيها أو الاتجار بها باعتباره جرماً له عقوبات رادعة تهدف إلى حماية الفرد والمجتمع من أضرارها الجسيمة.
الحالات التي يمكن فيها سقوط سابقة المخدرات
لا تسقط السابقة الجنائية تلقائياً في جميع القضايا، بل هناك ظروف محددة نص عليها النظام قد تؤدي إلى إسقاطها أو التخفيف من آثارها، منها:
- الإبلاغ الطوعي: إذا قام الشخص بالإبلاغ عن نفسه للجهات المختصة (كإدارة مكافحة المخدرات) طلباً للعلاج قبل أن تكتشف السلطات الجرم. يشجع النظام هذا المسار كفرصة لإعادة التأهيل.
- التعاون مع الجهات الأمنية: إذا تعاون المتهم مع السلطات بعد علمها بالجريمة، وأدى تعاونه إلى كشف شبكة أو القبض على متورطين رئيسيين، فقد يُعتبر ذلك ظرفاً مخففاً.
- التوبة والسلوك الحسن: يمكن للمحكمة أن تأخذ بعين الاعتبار علامات الندم الصادق، وخلو سجل المتهم من أي سوابق أخرى، وتقديمه تعهدات قانونية، كعوامل تساعد في طلب العفو أو تخفيف العقوبة.
- الظروف الخاصة (كالطلاب): هناك معاملة خاصة لفئة الطلاب الذين لا تتجاوز أعمارهم عشرين عاماً وضبطوا لأول مرة بتعاطي مواد مخدرة (وليس الاتجار)، بشرط أن يكونوا ملتحقين بالدراسة وأن يتعهد ولي أمرهم بالإشراف عليهم ومنع عودتهم لذلك.
أركان جريمة المخدرات والعقوبات المترتبة
لفهم متى تسقط السابقة، يجب أولاً فهم أساس الإدانة. تقوم جريمة المخدرات على ثلاثة أركان رئيسية:
- الركن المادي: وهو الفعل المجرم نفسه، سواء كان حيازة، أو تعاطياً، أو ترويجاً (بيعاً أو توزيعاً)، أو تهريباً، أو زراعة.
- الركن المعنوي: وهو قصد المتهم وعلمه بأن المادة التي يتعامل بها محظورة قانوناً.
- الركن الشرعي: وهو وجود النص الصريح في نظام مكافحة المخدرات الذي يجرم ذلك الفعل.
تتفاوت العقوبات بشدة حسب نوع الفعل. فبينما قد تصل عقوبة التعاطي أو الحيازة الشخصية إلى السجن والجلد، فإن عقوبة التهريب أو الترويج لكميات كبيرة يمكن أن تصل إلى الإعدام، خاصة في حال التكرار أو ضلوع المتهم في شبكات إجرامية منظمة.
المدة الزمنية وسقوط السابقة الجنائية حسب نوع الجريمة
تختلف المدة اللازمة لسقوط السابقة الجنائية (محوها من السجل) بشكل كبير حسب خطورة الفعل الجرمي، وذلك بعد تنفيذ العقوبة بالكامل أو صدور عفو عنها.
- الجرائم الجسيمة (كالتهريب والترويج): تسقط السابقة حكماً بعد مرور عشر سنوات من تاريخ انتهاء تنفيذ العقوبة أو العفو، شريطة ألا يرتكب الشخص أي جريمة جديدة خلال هذه الفترة الطويلة.
- الجرائم الأقل خطورة (كالتعاطي البسيط لأول مرة): قد تسقط السابقة بعد مدة أقصر، تبلغ حوالي أربع سنوات من تاريخ انتهاء العقوبة، مع توفر شرط أساسي هو حسن السيرة والسلوك وعدم العودة لأي فعل إجرامي.
يجب التمييز هنا بين “سقوط العقوبة” (الذي يحدث بالتنفيذ أو العفو) و”سقوط السابقة” أو محوها من السجل، وهو إجراء لاحق يهدف إلى رد الاعتبار للشخص.
إجراءات رد الاعتبار وإزالة السابقة من السجل
بعد مضي المدة النظامية المناسبة لنوع الجريمة، يمكن للشخص التقدم بطلب رسمي لـ “رد الاعتبار” لإزالة السابقة من صحيفة سوابقه الجنائية. تضع وزارة الداخلية شروطاً دقيقة لهذا الإجراء، تشمل:
- مضي المدة القانونية المحددة.
- ثبوت الاستقامة وحسن السلوك طوال تلك الفترة.
- عدم ورود أي قضايا أو تهم جديدة ضد مقدم الطلب.
- أن تكون العقوبة الأصلية قد نفذت بالكامل أو سقطت بعفو.
يتم تقديم الطلب عبر القنوات الرسمية مثل منصتي “أبشر” أو “ناجز”، وبعد الدراسة والتحقق، تصدر الجهة المختصة قراراً إدارياً بقبول رد الاعتبار، ليتم بعدها شطب السابقة من السجل العدلي.
المدة الزمنية لسقوط السابقة الجنائية
بشكل عام، وبعد تنفيذ العقوبة كاملة (سجن و/أو غرامة)، تظل السابقة مسجلة في السجل الجنائي. ومع مرور الوقت وعدم ارتكاب الشخص لأي جرم جديد، تبدأ إمكانية “التزكية” أو انتهاء أثر السابقة. عادةً ما تحتسب مدة ثلاث سنوات من تاريخ انتهاء تنفيذ الحكم كفترة اختبار. إذا التزم الشخص خلالها بالسلوك الحسن ولم يرتكب أي جريمة، فإن ذلك يعزز موقفه عند التقدم بطلب لإسقاط السابقة أو الحصول على “شهادة حسن السيرة والسلوك”.
سياسة المملكة: بين الحزم والتأهيل
تتبع المملكة سياسة مزدوجة تجاه قضايا المخدرات. من جهة، تظهر حزماً شديداً عبر عقوبات صارمة تجاه المهربين والمروجين بهدف الردع. ومن جهة أخرى، تقدم فرصاً للمتعاطين للعلاج وإعادة التأهيل عبر برامج متخصصة، مع النظر بعين الاعتبار إلى ظروف التوبة والتعاون. وهذا المنهج يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في الجمع بين زجر الجرم وإصلاح الفرد.
دور المحامي المتخصص في قضايا المخدرات
يُعد الاستعانة بمحامٍ متخصص في قضايا المخدرات خطوة حاسمة. فالمحامي يستطيع:
- تحليل وقائع القضية بدقة وتحديد الوصف القانوني الدقيق للتهمة.
- تقديم الدفاع القانوني عن المتهم المستند إلى الشرع والنظام .
- البحث عن الظروف المخففة التي يمكن تقديمها للمحكمة (كالندم، التعاون، طلب العلاج، صغر السن، الظروف القهرية).
- تقديم الطلبات القانونية المناسبة، مثل طلب تخفيف العقوبة أو الاستفادة من برامج العفو عند إتاحتها.
- متابعة الإجراءات بدقة وضمان احترام حقوق المتهم خلال مراحل التحقيق والمحاكمة.
- تقديم المشورة حول إجراءات سقوط السابقة أو الحصول على شهادة حسن السيرة بعد انتهاء العقوبة.
أسئلة شائعة حول سابقة المخدرات
س: كم مدة عقوبة السجن لمتعاطي المخدرات؟
ج: تتراوح عقوبة التعاطي أو الحيازة لتعاطي الشخصي بين ستة أشهر وسنتين سجن، وقد يصاحبها عقوبة الجلد. وقد تزيد العقوبة في حالات معينة، مثل كون المتعاطي من موظفي الأمن أو أثناء العمل.
س: هل يشمل العفو الملكي قضايا المخدرات؟
ج: نعم، قد يشمل العفو الملكي -بحسب نصوصه- بعض قضايا المخدرات، خاصةً تلك المتعلقة بالتعاطي أو الحيازة الشخصية لأول مرة. ولكن قضايا التهريب أو الترويج بكميات كبيرة، خاصةً للمرة الثانية، عادةً ما تستثنى من العفو العام.
س: هل يُمنع المحكوم عليه في قضية مخدرات من السفر؟
ج: نعم، ينص النظام على منع السفر لفترة مساوية لمدة العقوبة السجينية المحكوم بها (بحد أدنى سنتين) بعد الإفراج. ويمكن استثناؤه بموافقة من وزير الداخلية في حالات الضرورة القصوى.
خاتمة: نحو صفحة جديدة
إن الخروج من دائرة سابقة المخدرات ليس مستحيلاً في النظام السعودي، لكنه يتطلب فهماً دقيقاً للقانون، وصبراً على الإجراءات، وسلوكاً مستقيماً يثبت جدارته بالثقة. إنها رحلة تحتاج إلى العزيمة والقرار الصادق بترك الماضي، مع الاستعانة بالمشورة القانونية السليمة لعبور هذه المرحلة الحرجة بنجاح.
هل تحتاج إلى استشارة قانونية متخصصة في قضايا المخدرات أو معرفة الإجراءات القانونية لمعالجة سابقتك الجنائية؟
تواصل مع شركة صلة للمحاماة والاستشارات القانونية، حيث يقدم فريقنا من المحامين المتخصصين الدعم الكامل في قضايا المخدرات، من مرحلة التحقيق الأولى حتى انتهاء العقوبة والسعي نحو إسقاط السابقة، مع الحفاظ على سرية تامة وحرص على مصلحتك.